محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
780
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
ثمّ قال : وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها أي ليس صدق الطاعة بالإتيان من ظهور البيوت ، وذلك أنّ الناس إذا أحرموا بالحجّ في الجاهلية وبدو الإسلام لا يأتون البيوت من أبوابها ! فإن كان الرجل من أهل المدر ثقب ثقبا من ظهر بيته فيأتيه ، أو يتّخذ سلّما فيصعد ظهر البيت فيأتيه ؛ وإن كان من أهل الوبر خرج من ظهر الخيمة والفسطاط حتّى يحلّ من إحرامه ، ويرون ذلك برّا إلّا الحمس من العرب وهم خمس قبائل « 1 » : خزاعة وثقيف وكنانة وبنو عامر بن صعصعة وقريش سمّوا حمسا لحماستهم وشجاعتهم ؛ فدخل رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - بيتا لبعض الأنصار وهو محرّم من بابه فتبعه رجل يقال له رفاعة بن تابوت ؛ وقال الكلبي ومقاتل : اسمه قطب بن عامر أحد بني سلمة ، ودخل على أثره وهو محرّم ؛ وقيل : إنّه جاء وتسوّر الحائط على رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - فلمّا خرج من باب الدار خرج معه رفاعة فقال له رسول اللّه : ما حملك على ذلك ؟ قال : يا رسول اللّه ! رأيتك خرجت منه فخرجت منه . فقال رسول اللّه : إنّي أحمس . قال الرجل : إن كنت أحمس فإنّي أحمس ، ديننا واحد . فأنزل اللّه تعالى الآية وأخبرهم أنّ البرّ في التقوى . وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عبّاس : كان الرجل منهم إذا أحرم قبل الحجّ أي في غير أشهر الحجّ لم يدخل من باب بيته ولم يخرج منه إلّا أن يكون من الحمس ؛ والحمس قوم شدّدوا على أنفسهم فشدّد اللّه عليهم ، كانوا إذا أحرموا لم يسمنوا سمنا ، ولم يأقطوا أقطا ؛ فأحرم رسول اللّه ثمّ دخل حائط نخل بالمدينة ؛ فدخل رجل على أثره وهو قطبة بن عامر ؛ فقال له رسول اللّه : أدخلت من الباب وأنت محرم ؟ فقال : وأنت دخلت من الباب وأنت محرم . فقال رسول اللّه : أنا أحمس . قال : وأنا أيضا أحمس . ديني دينك . فأنزل اللّه الآية . وقال الزهري : كان ناس من الأنصار إذا أهلّوا بالعمرة لم يحل بينهم وبين السماء شيء ، يتحرّجون من ذلك ، وكان الرجل يخرج مهلّا بالعمرة ، فتبدو له الحاجة ( 321 آ ) بعد ما يخرج من بيته ؛ فيرجع ولا يدخل من باب الحجرة من أجل سقف الباب أن يحول بينه وبين المساء ؛ فيفتح الجدار من ورائه ثمّ يقوم في حجرته ؛ فيأمر بحاجته ؛ فيخرج إليه من بيته
--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : النزول .